من فكر العلامة الشهيد البوطي ... لهذه الأسباب كانت الهجرة تبعث على الاعتزاز والفخر

السبت 31 آب , 2019 02:37 توقيت بيروت مقالات فكريّة

الثبات - إسلاميات

لهذه الأسباب كانت الهجرة تبعث على الإعتزاز والفخر



ها نحن قد ودعنا عاماً انصرم، واستقبلنا عاماً جديداً اقتطع من عمر كل منا عاماً كاملاً، وقرَّبَنا إلى الموت عاماً كاملاً، وإذا قلنا: إننا قد ودّعنا عاماً واستقبلنا عاماً فلست بحاجةٍ إلى أن أقيده بعامٍ هجري، ذلك لأن العام إذا أُطلق في المجتمع الإسلامي وفي مصطلح الإنسان المسلم الذي وعى إسلامه، ما ينبغي أن يفهم من هذا العام إلا أنه العام الهجري؛ ذلك لأنه الميقات الذي يُبرز وجود هذه الأمة ويحدد معالمها، وهو التاريخ الذي تعتز به هذه الأمة، والذي أناط الله سبحانه وتعالى وجودها الاعتباري به، فما أظن أن المسلم بحاجة إلى أن يحار أي المعنيين نعني بكلمة العام. لو أن الإنسان كان واقفاً بين الإسلام والكفر أو بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى، لكان له أن يحار ويتساءل، ولكن المسلم المعتز بإسلامه يعلم أن عامه هو هذا، وأن تاريخه هو هذا.
وأظن أنكم جميعاً تعلمون أن المسلمين اجتمعوا ليتسائلوا عن ميقاتٍ زمني أو مقياس زمني يحددون به تاريخهم والأحداث التي تمر بهم، فاجتمعت كلمتهم - وذلك في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه - على أن يكون التاريخ الهجري الذي يبدأ بهذا الشهر المبارك؛ الذي يبدأ بهجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المَعْلمة التي ترتبط بها الأحداث، والتي تتبين بها مواقيت التاريخ، وما أظن أن هنالك مسألةً تم الإجماع عليها في حياة الصحابة كإجماعهم على أن يكون تاريخ هذه الأمة منوطاً بهجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكةَ إلى المدينة.
فكل من أراد أن يتلاعب بهذا التاريخ أو أن ينقض ما أبرمه عمر مع المسلمين عامةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مفتأتٌ على هذا الدين، وهو عميلٌ يتقنع بقناع وطنيةٍ أو عروبةٍ أو إسلام. ولا شك أن الإجماع الذي تم وانقضى وترسّخ لا يملك أحدٌ أن ينقضه إلى يوم القيامة. ولكن ما هو السر الذي جعل المسلمين يعتزون بعامهم الهجري هذا؟ ما هو السر الذي جعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعرضون مشاهد السيرة النبوية منذ ولادة المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى يوم وفاته فلم يجدوا بين هذه المشاهد مشهداً يعتز به المسلم، ومن ثم يجدر أن ترتبط أحداث التاريخ كلها به سوى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة؟ ما السر في اجتماعهم على هذا وفي اعتزازهم بهذا المشهد دون غيره من مشاهد السيرة النبوية؟
السر أيها الأخوة يتمثل في سلسلة كثيرة مكونة من حلقات متعددة كلٌ منهل يبعث المسلم على الاعتزاز بهذا المشهد من مشاهد السيرة النبوية، وكلٌ منها يبعث على أن يربط نفسه بهذا المشهد أيما ارتباط مهما كانت الدنيا التي يتقلب فيها، ومهما كانت الأوضاع التي تطورت به:
السر الأول: هجرة النبي عليه الصلاة والسلام جسدت أبرز معنىً من معاني العصمة التي تعهد الله عز وجل بها لرسوله سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ولعل هذه العصمة قد خُلِّدت في قول الله سبحانه وتعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا لِيُثْبِتوكَ أو يُخرجوك أو يقتلوك ويمكرون ويمكر الله واللهُ خير الماكرين}. ولقد قوّض الله سبحانه وتعالى مكرهم، وإنكم لتعلمون كيف مكروا به، وأنفذ الله رسوله صلى الله عليه وسلم من بين خططهم الماكرة، وأخرجه من ظلمات كفرهم وضلالهم إلى صعيد الإيمان إلى صعيد الدين إلى أول دارٍ أكرم الله سبحانه وتعالى الأمة بها. فهذه أول مكرمة بل هذا أول سرٍ من أسرار ارتباط المسلمين بتاريخ هجرتهم.
السر الثاني: أن المسلمين عندما كانوا يعيشون مع رسولهم صلى الله عليه وسلم في مكة لم تكن لهم دارٌ تجمعهم، فلم تكن هنالك دار إسلام قط، ولكن وُجدت هذه الدارُ وولدت بهجرة المسلمين ثم بهجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، عندئذٍ أكرم الله سبحانه وتعالى بهذه الهجرة هذه الأمة بأول دار إسلام، وشاء الله عز وجل أن تكون المدينة المنورة التي كانت تسمى بيثرب أول دار إسلام، فهذه الحلقة الثانية تمثل السر الثاني من أسرار الإعتزاز الذي لابد أن يشعر به كل مسلم صادقٍ مع الله سبحانه وتعالى في إسلامه.
السر الثالث: وهو الذي يشكل الحلقة الثالثة، أن الله عز وجل شاء أن يكرم هذه الأمة بأول دولة تحققت، وقام نسيجها متكاملاً مع هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين إلى المدينة المنورة، عندما كان المسلمون في مكة لم تكن لهم دولة، وكيف تنشئ لهم دولة وليست لهم أرض والدولة إنما تقوم على ثلاث أركان: أرضٍ يمتلكها المسلمون، ومجتمعٍ متضافر يتكون من هذه الأمة المسلمة، ونظام سلطوي يحقق معنى ارتباط هذه الأمة بتلك الأرض.
وعندما كان المسلمون في مكة المكرمة لم تكن لهم أرضٌ يرجعون إليها ويرتبطون بها، ولم تكن لهم دولة ولم تكن لهم جامعة، ثم أكرم الله سبحانه وتعالى رسوله ومعه أصحابه المهاجرون بالهجرة إلى المدينة المنورة، كان ذلك إيذاناً بنشأة أول دولةٍ إسلامية وجد المجتمع الإسلامي فوق دار الإسلام ثم وجد النظام الذي جسّد علاقة هذه الجماعة المسلمة بتلك الأرض.
وبالأمس كنا نتحدث عن تلك الوثيقة أي الدستور الذي اكتتبه - أي أملاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فنظم بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام علاقة المسلمين بعضهم مع بعض، ونظّم بذلك علاقة المسلمين بمن جاورهم من اليهود أو غير اليهود، وهكذا فنحن أمام حلقة ثالثةٍ تشكل السر الثالث من أسرار اعتزاز المسلم بهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة.
السر الرابع: أن هذه الهجرة كانت الفجر الذي انبثقت منه حقيقة الأمة؛ معنى الأمة. فما كان المسلمون قبل ذلك قد تهيأوا ليكونوا أمةً واحدة عندما كانوا يتقلبون في فجاج الكفر وبين أودية التيه والضلال في مكة، حتى إذا استقر بهم المقام في المدينة المنورة بزغت حقيقة الأمة من تلك الهجرة، ولذلك فلقد كان أول بندٍ من بنود تلك الوثيقة هي إعلان المصطفى صلى الله عليه وسلم عن ولادة الأمة؛ الأمة الإسلامية، وانظروا ماذا يقول عليه الصلاة والسلام في هذا البند: (المسلمون من مكة ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم أمة واحدة من دون الناس جميعاً) (المسلمون من مكة ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم أمة واحدة من دون الناس جميعاً)، وهكذا نحن أمام حلقة رابعة من حلقات هذه السلسلة التي تبعث المسلم على الاعتزاز - وأي اعتزاز - بهذه الهجرة النبوية التي تجعل المسلم الصادق مع إسلامه لا يستطيع أن يتبين بين مشاهد السيرة النبوية منذ يوم الولادة إلى الوفاة مشهداً يبعث على اعتزازٍ وعلى فخار وعلى مجدٍ وعلى نشوة تطوف بنفس هذا الإنسان المسلم كمشهد هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة المنورة.
نحن ندرس اليوم تاريخ هذه الأمة من خلال دراسة دولة، ولكن هذه الدولة ما ولدت إلا مع الهجرة، ونحن ندرس تاريخ هذه الأمة من خلال دراسة نظام؛ نظامٍ سياسي سلطويٍ متكامل، ولكن هذا النظام لم يتحقق ولم يتكامل إلا مع الهجرة، نحن ندرس سيرة هذه الأمة - تاريخ هذه الأمة - من خلال وحدة هذه الجماعة المسلمة، ولكننا لا نستبين هذه الوحدة إلا من خلال هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة. 

جزء من خطبة الجمعة لـ الإمام الشهيد البوطي تاريخ: 10/6/1994

المصدر: نسيم الشام


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل