الأربعاء20092017

Back عربي ودولي عربي ودولي عربي العراق.. والتحديات الطائفية

العراق.. والتحديات الطائفية

Share

لا يخفى على أحد أن الحالة العراقية تمثّل تحدياً واضحاً، ليس للعراق وحده، إنما لمجمل البيئة السياسية المحيطة به، بل وللأمة العربية.

فبعد الانسحاب الأميركي يبدو واضحاً أن العراق يقف على مفترق طرق، إما باتجاه عراق جديد زاخر وواعد، أو باتجاه عراق تسوده الفوضى التي ستُغرقه في مزيد من ظلمات ستطول كثيراً وتتمدد إلى أكثر من مكان.

عندما سقطت بغداد واحتل الأميركيون العراق، وَجَدت فئة من الشعب العراقي كان قد أسيء التعامل معها إبان حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، أن الفرصة متاحة للوصول إلى الحُكم والانتقام من المرحلة السابقة، دون التفكير الجدي في بناء دولة القانون والمؤسسات، ودون الأخذ بعين الاعتبار أن سياسة الانتقام ستؤدي حتماً إلى صدامات طائفية لا تُحمد عقباها، وبناء عليه استمرّ الغرق في أتون المذهبية والعرقية والمناطقية، وهيمنة فئة على فئات أخرى، دون الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الأمر سيقود العراق إلى مرحلة أخرى من التقاتل، لن يكون أحد رابحاً فيها، بل ستكون مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي أشد وطأة من المراحل التي سبقت.

الجميع يدرك أن العراق يواجه تحديات داخلية كثيرة، لا تقل قسوة عن الخارجية، منها: الوضع الأمني غير المستقر، والأزمات الطائفية والمذهبية، والمناطقية والعرقية، وأيضاً المكونات الاقتصادية والاجتماعية.. ونتيجة التخبُّط من الواضح أن هناك عجزاً عراقياً واضحاً لمسك الملفات الأمنية، في ظل بيئة عسكرية أمنية وطنية مفكَّكَة، وإمكانات لوجستية معدومة نسبياً.

أما التحدي السياسي الأخطر، فيكمن في استيعاب حالة المحاصصة الطائفية والمناطقية ـ الفدرالية، التي تهدد بتقسيم البلاد، واختلال العلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم التي تنحو باتجاه الاستقلالية في جميع مسائل الإدارة والاقتصاد والأمن والسياسات العامة، المعزز والمحصن بقانون الأقاليم الذي تمّ إقراره، والذي يعطي للأقاليم اليد الطولى في مواجهة المركز، والذي يفتح الباب واسعاً أمام تقسيم العراق، فتبدو أهم العوامل الخارجية تآمُر قوى عظمى لاقتطاع أجزاء من العراق لصالح الدولة الكردية، وهو ما لاحت تباشيره من خلال الاستفتاء المزمَع عقده في الجزء الكردي، حيث أعطي الانسحاب الأميركي فرصة قوية للاعبين الإقليميين الآخرين في العراق لأخذ مواقع أكثر حساسية، ويعزز هذا الاتجاه مجموعة المصالح المتقاربة للعديد من الكيانات السياسية الداخلية مع مصالح الدول الأخرى، فيتمّ تبادل المنافع والمصالح الاستراتيجية، كما التكتيكية.

إضافة إلى ما سبق، يكمن التحدي السياسي الكبير أيضاً في إمكانية صياغة سياسة خارجية تحكم وتضبط العلاقات العراقية مع دول الجوار، وبالتالي فإن قراءة العراقيين الدقيقة لمستقبل علاقاتهم العربية والإقليمية هي ضرورة ولازمة لبناء عراق قوي، يعيد دوره الفاعل في وسطه العربي والإقليمي.

العراق اليوم أمام اختبار حقيقي كان من الممكن أن يكون خطوة أولى نحو استعادة العراق لسيادته الكاملة ودوره العربي والإقليمي، عبر تعاضد العراقيين وتعاونهم جميعاً في تقرير مستقبل بلدهم، من خلال حوار وتوافق وطني هادف، ونبذ الطائفية والمذهبية، وبناء العراق المرتكز على قواعد وأسس الديمقراطية والمواطنة التي تساوي بين جميع العراقيين، بصرف النظر عن التنوُّع والتعدد السياسي والديني والعرقي واللغوي.. لكن ما حصل هو استمرار الغرق في أتون المذهبية والعرقية والمناطقية، وهيمنة فئة على فئات أخرى، الأمر الذي قاد العراق إلى مرحلة أخرى من التقاتل، لن يكون أحد رابحاً فيها، بل كانت مرحلة ما بعد الانسحاب أشد وطأة من المراحل التي سبقت، ولن تعالَج الطائفية بطائفية مضادة، ولا المذهبية بمذهبية مضادة، ومن دون حل سيكون العراقيون وقوداً لفتنة كبرى، بعيداً عن امتلاك رؤية لمشروع وطني للدولة المدنية الحديثة، إضافة إلى الكم الهائل من الخسائر المادية والبشرية التي ستلحق به، والتي مع الأسف فاقت التقديرات والتوقعات، وباتت تهدد بتبعات سياسية واجتماعية.

حتى اليوم مايزال العنف المستفحل والتوتر بين الإثنيات العراقية يهدد استقرار البلد وديمقراطيته الهشة، والتي فرضها المحتل الأميركي؛ كما الحال في لبنان، وقد فشلت النخبة السياسية العراقية في تطوير نظام للحكم شامل للجميع، وتعززت الانقسامات الداخلية بسبب تداعيات ما يسمى بـ"الربيع العربي".

لقد ركّزت مقاربة بناء الدولة في العراق على إيجاد ممثلين طائفيين أكثر من تركيزها على التغلب على الانقسامات الطائفية، وأصبحت الطائفية مستحكمة في القواعد الشعبية والممارسات الخاصة بالبنية السياسية، في حين أصبحت المؤسسات إقطاعيات للأحزاب المتصارعة التي تتنافس على السلطة والموارد، وتمكَّن رؤساء الوزراء من تعزيز سلطتهم وسلطة طائفتهم، وهذا الأمر أدى إلى أن يشعر فريق من أهل البلد بأنه يتم تهميشهم، ما قوّى التيارات المتطرفة بينهم، ومنح الجماعات المتطرفة بيئة مثالية للتعبئة والعمل.

استمرار الانقسام في العراق هو نتيجة للفشل في البدء بعمليات ناجحة لبناء الدولة وللسياسة الإقصائية التي ميزت التاريخ الحديث للبلاد، فمعالجة مشاعر الغُبن لدى فئة من العراقيين أمر بالغ الأهمية لتحقيق مزيد من الشرعية للنظام والاستقرار للبلاد، ويحتاج العراق إلى اتخاذ خطوات تتّسم بالصدقية لبناء الثقة وطمأنة الطوائف المختلفة حول مكانتها في الدولة، من خلال خطة جدية للمصالحة، فالمعالجات الجزئية أو الانتقائية، ولاسيما تلك التي تهدف إلى تحقيق مصالح على المدى القصير، لن تحقق هذه المصالحة.

لقد نجحت الحكومة العراقية في رسم خطّ واضح بين عمليات مكافحة الإرهاب والحسابات السياسية، لكن عليها أيضاً أن تدرك أن الانتصار في الحرب ضد تنظيم "داعش" والجماعات المتطرفة يتطلب القيام بجُهد حقيقي لكسب الجميع لصالح دولة العراق الموحَّدة.

خالد المعلم

أخبار منوعة

  • ثقافة وفن
  • عالم النساء
  • صحة وتغذية
  • بيروتيات
  • إسلاميات

عربي ودولي

  • فلسطين
  • عربي
  • دولي

ملفات خاصة

  • رأي
  • إقتصاد
  • تحقيق
  • مقالات مختارة

لبنانيات

  • صفحة الغلاف
  • حدث الاسبوع
  • جعبة الأسبوع
  • محليات
  • موضوع الغلاف
  • مقابلة
  • همسات